تفاقمت أزمة العدادات الكودية في مصر خلال الفترة الأخيرة، بعدما تحولت من حل مؤقت لتوصيل الكهرباء للعقارات المخالفة إلى أزمة يومية تؤرق آلاف الأسر. ويشكو المواطنون من ارتفاع تكاليف التركيب والشحن، وصعوبة تحويل العدادات إلى نظام دائم، إلى جانب استمرار التعامل مع كثير من الوحدات باعتبارها “مخالفة” رغم سنوات من الإقامة بها. كما تسببت الإجراءات المعقدة وطول فترات الانتظار في زيادة الضغوط على السكان، خاصة مع ارتباط الكهرباء باحتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها داخل المنازل.

 

وفي الوقت نفسه، يواجه قانون التصالح في مخالفات البناء حالة من التعثر والبطء، رغم الترويج له باعتباره مخرجًا نهائيًا لأزمة البناء غير المرخص. فالكثير من المواطنين لا يزالون عالقين بين طلبات التصالح المتكررة وتعقيدات الإجراءات وتفاوت القرارات بين المحافظات، ما أبقى آلاف العقارات دون وضع قانوني مستقر. ويرى متابعون أن استمرار تعطل التصالح ينعكس مباشرة على ملفات الخدمات والمرافق، ويزيد من حالة القلق لدى المواطنين الذين ينتظرون تسوية أوضاع مساكنهم بشكل نهائي.

 

ويكشف الكاتب عبد الله البسطاويسي في هذا التقرير عن تعثر قانون التصالح في مخالفات البناء داخل مصر، بعدما أخفق القانون في جذب غالبية المخالفين إلى المنظومة الرسمية. ويشير التقرير إلى أن نسبة المتقدمين بطلبات التصالح لم تتجاوز 38% من إجمالي المخالفات المستهدفة، ما دفع الحكومة إلى التحرك سريعًا لإعداد تعديلات جديدة على القانون بهدف تخفيف الأعباء المالية وتبسيط الإجراءات.


ويؤكد تقرير «المنصة» أن الحكومة المصرية تسابق الوقت لإقرار تعديلات تشريعية جديدة بعد تصاعد الجدل حول أزمة العدادات الكودية ورسوم التصالح المرتفعة، وسط مطالب برلمانية وشعبية بإعادة النظر في آليات التنفيذ الحالية التي أثقلت كاهل المواطنين، خاصة محدودي الدخل.


تعثر قانون التصالح في مخالفات البناء

 

كشف مصدر بوزارة الإسكان أن الدولة استهدفت تقنين أوضاع نحو 5.2 مليون مخالفة بناء منذ إطلاق قانون التصالح عام 2019، لكن عدد الطلبات المقدمة لم يتجاوز مليوني طلب فقط حتى الآن. كما فشل نصف المتقدمين تقريبًا في استكمال الإجراءات أو تقديم المستندات المطلوبة بسبب التعقيدات الإدارية وطول مدة الفحص وارتفاع الرسوم.


ويرى مسؤولون أن القانون بصيغته الحالية لم يحقق أهدافه، بعدما اصطدمت عملية التصالح بعقبات بيروقراطية متكررة داخل الوحدات المحلية، إضافة إلى عدم مراعاة الفروق الاقتصادية بين المواطنين عند تحديد قيمة الرسوم.


وأوضح المصدر أن التعديلات الجديدة ستمنح تسهيلات أكبر للأسر منخفضة الدخل، إذ تعتمد الرسوم الحالية على الموقع الجغرافي وسعر المتر فقط، دون النظر إلى مستوى دخل المواطن أو قدرته المالية، ما وضع أصحاب الدخول المحدودة في نفس الفئة السعرية مع أصحاب الدخول المرتفعة.


الحكومة تتحرك لتعديل القانون

 

وجّه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الجهات المختصة بسرعة الانتهاء من مشروع تعديل قانون التصالح، في محاولة لإنهاء الأزمة الممتدة منذ سنوات. وتشمل التعديلات المقترحة مد فترة العمل بالقانون لعام إضافي لمنح المواطنين فرصة جديدة لتقنين أوضاعهم.


وأكدت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض أمام لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب أن الأجهزة التنفيذية انتهت من فحص نحو 87% من الطلبات المقدمة، بإجمالي تجاوز 1.75 مليون طلب من أصل مليوني طلب تقريبًا.


ويرجع مراقبون تعجيل الحكومة بالتعديلات إلى تصاعد أزمة العدادات الكودية خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد زيادة أسعار الكهرباء المرتبطة بها، وهو ما أثار موجة اعتراضات داخل البرلمان وخارجه.


أزمة العدادات الكودية تضغط على المواطنين

 

بدأت وزارة الكهرباء تطبيق نظام محاسبة جديد على العدادات الكودية بسعر موحد بلغ 2.74 جنيه لكل كيلووات/ساعة، بدل نظام الشرائح السابق، ما رفع تكلفة الاستهلاك بنسبة وصلت إلى 28% على نحو 3.6 مليون عداد كودي في مختلف المحافظات.


وتستخدم هذه العدادات في العقارات المخالفة أو غير المقننة، حيث تلجأ الدولة إليها لضمان تحصيل قيمة الاستهلاك الفعلي للكهرباء ومنع سرقة التيار، إلى حين إنهاء إجراءات التصالح وتقنين الوضع القانوني للعقار.


وأثار القرار انتقادات واسعة بسبب انعكاسه المباشر على ملايين المواطنين الذين يعيشون في مناطق غير مكتملة الإجراءات القانونية، بينما طالب نواب بتجميد القرار مؤقتًا لحين مراجعة آثاره الاجتماعية والاقتصادية.


ويؤكد التقرير أن أزمة التصالح في مخالفات البناء لم تعد مجرد ملف إداري أو قانوني، بل تحولت إلى قضية اقتصادية واجتماعية تمس ملايين الأسر المصرية. ومع استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الخدمات، تواجه الحكومة تحديًا كبيرًا لإيجاد صيغة أكثر مرونة وعدالة توازن بين حق الدولة في تقنين الأوضاع وحق المواطنين في تحمل أعباء التصالح دون إنهاك اقتصادي.

 

https://manassa.news/en/news/31962